كريم نجيب الأغر

67

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ولقد فهم بعض فقهاء الصحابة رضوان اللّه عليهم المفسرين للقرآن معنى هذه الآيات : جاء في تفسير القرطبي تفسيرا لكلمة « أطوارا » « 1 » : « قال ابن عباس : أطوارا يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة » وهو يشير بذلك - كما سنراه لاحقا - إلى مراحل تخلق الجنين التي وردت في الآية الكريمة : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . وورد في تفسير القرطبي تعليقا على عبارة خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ « 2 » : « قال قتادة والسدي : نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما » . وتجدر الإشارة هنا إلى أن أول من اكتشف أن تطور الجنين يمر في مراحل هو ( أرسطو ARISTOTLE ) في القرن الرابع ق . م ، من خلال أبحاثه على الدجاج . غير أن هذه الأبحاث لم تكن هامة لسببين : الأول : أنه لم يعط تفاصيل عنها . والثاني : أن المراحل الابتدائية للدجاج لا تنطبق على المراحل الأولى للتخلق البشري . وظل بعدها العلم المختص بتقسيم تخلق الجنين إلى أطوار ضعيفة للغاية حتى القرن العشرين . وفي أواسط القرن السابع عشر اكتشف المجهر ، وقد أدى هذا التطور إلى اكتشاف الحيوان المنوي ، واعتقد العلماء في ذلك الحين أن كل حيوان منوي يحمل كائنا بشريا في داخله ، ( كما أشرنا إليه سابقا في مبحث « ثقافة العالم القديم والحديث في علم الأجنة » ) . وفي عام 1675 م ظن العالم مالبيجي - الذي يعتبر أبا لعلم الأجنّة الحديث - أن بيضة الدجاج غير المخصّبة تتضمن شكلا مصغرا لدجاجة ، على إثر دراسته لبيضة دجاجة غير ملقحة . إن الصورة التي كانت سائدة لدى سائر العلماء هي أن الحيوان المنوي أو البويضة يحمل كائنا بشريا دقيق الحجم وأن التخلق الإنساني ليس إلا زيادة في الحجم لصورة واحدة تتسع أبعادها مع مرور الوقت ( كما أشرنا إليه سابقا في مبحث : « ثقافة العالم القديم والحديث في علم الأجنة » ) ، غافلين عن أن تخلق الجنين يمر بمراحل مختلفة ، ولم ينته الجدل بين العلماء إلا عام 1775 م عندما أثبت ( اسبالانزاني SPALLANZANI ) أهمية كل من الحيوان والبويضة في عملية التخلق .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي - ( ج 18 / ص 303 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي - ( ج 15 / ص 236 ) .